الاثنين، 2 مايو 2016

( الفصل الخامس والستون من رواية الظلال الوارفة ..تأليف ناجح صالح


( الفصل الخامس والستون من رواية الظلال الوارفة ..تأليف ناجح صالح
---------------------------------------------------------------------
جاءه نعي ابيه في وقت لم يتوقعه .
كارثة هزت كيانه وكأنما صاعقة وقعت عليه .
وراح يردد بلا وعي كيف ولماذا ؟
وقال له مزهر وهو يهدئه :
- ماذا انت فاعل ؟
- سأرتحل على الفور .
- انا حزين من اجلك , ومتى ستعود ؟
- لا اظنني سأعود ..ان اسرتي في امس الحاجة الي ,اذ لم يعد لديها رجل سواي .
- ان هي الا ايام وينتهي العام الدراسي , ولكنه قدر لا مفر منه جاء سابقا لأوانه.
- اكاد افقد القدرة على التركيز
- انت رجل مؤمن يا طاهر فاستعن بالله .
- الجرح اعمق مما احتمله .
- البقاء لله وحده .
واقبل عليه زملاؤه يواسونه ولكنه كان في واد سحيق لم ينفع معه رثاء .
وحينما اقلته السيارة الذاهبة الى مدينته جلس واجما عليه سمات الحزن الطاغية .
خيل اليه انه انتهى بوفاة ابيه وان السعادة قد فارقته الى الأبد ,وايقن ان النحس يلازمه وانه لن يبرأ من علته .
كيف مات ابوه وهو موفور الصحة ؟ هل اتاه مرض خبيث قضى عليه سريعا ؟
هل احزنه الموت المفاجيء وابنه ليس معه ؟
وهو لماذا لم يسعفه الحظ برؤية ابيه في آخر ساعة قبل ان يفارق الدنيا ؟
ونظر من النافذة الى السماء يبثها همومه ..الهموم المتصلة التي لا تنقطع .
وذكر اباه في آخر مرة ودعه فيها , كان يبتسم له ويشجعه على حياة الغربة التي يعيشها ,ويحثه على الصبر والفضيلة والأيمان .
كبف تركه على مفترق الطرق ؟ وكيف يواجه الأيام القادمة ؟ ماذا يفعل ازاء وظيفته ؟ انه على اية حال لن يترك اسرته تقف على قدم واحدة ليعود الى القرية , ولا بد من حل سريع لهذه المشكلة مهما يكن الثمن .
الحزن يخيم عليه وهو في رحلته المشؤومة للعودة الى المدينة ..ربما جاء موت ابيه ليودع القرية الى الأبد من غير ان يراها مرة اخرى , هكذا لن يرى زملاءه ولا طلبته ولا مريم .
اجل لن يرى مريم مرة اخرى .
ياله من شعور بائس في ساعة من ساعات حزنه , مريم نبض قلبه ..ايهجرها ؟
ايفارقها ؟
وارتاعت نفسه لهذا الهاجس وهو لن يستطيع ان ينتزع مريم من قلبه رغم تجربته القاسية .لماذا لا يعترف الآن ومع نفسه على الأقل بأن مريم ليست الا اسطورة في مخيلته وحده بلا هدف ولا مستقبل .
واذا كان قد افتتن بها الا انها لم تجلب له سوى الخيبة والمرارة .
تمنى ان تكون له بسحرها وجمالها وزينة عقلها , لكنه ادرك انها امنية لن تتحقق حتى على جثته .
لماذا يذكر مريم وهو عائد الى المدينة يشيع اباه ؟
لماذا يذكرها وهو مرتحل عن موطنها الى الأبد ؟
حتى في هذه الساعة وهو في صميم حزنه تراود مريم خياله , اي نوع من الحب هو ؟
رغم حزنه البالغ على ابيه الا انه حزين على فراق مريم , الحب النابض في كل جزء من اجزاء جسمه .
لا , لم تكن مجرد ذكرى طواها الزمن , ولا مجرد قصة ابتلعها النسيان , بل هي حاضرة معه اينما يكون .
وفي الغد حينما تكون معه امراة اخرى تعيش معه كزوجة ستكون مريم نبضها ولسانها وحركتها وصورتها .
ياله من مصاب فادح اصيب به طاهر ياسين , ليس هذا المصاب وفاة ابيه فحسب بل فراق مريم , رفيقة قلبه , تلميذته , الحورية القادمة من الجنة , الساحرة الفاتنة التي عشقها دون غيرها من النساء .
ولما انهت السيارة رحلتها الطويلة واستقرت قدماه على ارض المدينة شعر ان الكابوس ما زال يثقل على رأسه وصدره وجسمه جميعا .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرشيف المدونة الإلكترونية

Text Widget

بحث هذه المدونة الإلكترونية

تحميل