الجمعة، 9 سبتمبر 2016

خواطر : كوابيس : بقلم : هاشم لمراني

خواطر
كوابيس بقلم : هاشم لمراني
قال لي : " سأزورك في كل كوابيسك النهارية والليلية ، وأقسم أنه لن يأتيني يوما مبتسما ، فإن أتى، وهو لا يتخلف عن المجيء أبدا، فإنه سيأتي عبوسا قمطريرا، محملا بالسواطير والسيوف وأسلحة الدمار المحرمة منها وغير المحرمة ، حتى يفكك جسدي إلى أشلاء ، ويرميه في صناديق قمامات رجال الأمن الإقليمي، وهو على يقين أن لا أحد منهم سيتعرف على مرتكب الكبيرة هذه . " قال أيضا: " أنا من سيقطع كابل دواسة فرامل سيارتك ، وأزيد من سرعتها إلى درجة قصوى، لتحل بك أكبر الحوادث على الطرقات. فأنا أريد أن أرى جسدك يتحول إلى كومة لحم مفروم، ولاستباحات كل شياطين العالم تفعل به ما تشاء ، وأنا، أيضا ، من يزيد من آلام القولون العصبي لديك ، لأسبب لك المزيد من القلق... حتى أجعلك تغرق في هذا الإدمان الذي أعددته لك منذ زمان.. قال، وقال، وقال... فقد تكلم عن كل شيء يشير إلى عدميتي ، ويجعلي أشعر بأن جسدي لم تعد له أية نكهة ، غير نكهة ما تنفثه أجساد الموتى بعد تحللها كرائحة براز معتق في بالوعات مغلقة .. قال أيضا ، أنا الذي أدخلتك ذات يوم إلى تلك المتاهة المليئة بالبخار ، والمنعدمة المخارج، حتى أخرجك عن يقينك ، وتعلن التوبة عن كل ما اقترفته يمناك، أما يسراك التي ستؤتى بها كتابك، فمصيرها البتر بواسطة سيف لم تر حدته وطوله من قبل ، لتقدف في نار الجحيم . كان ولا يزال يقول ذلك، وينسحب قبل الفجر تارة ، أوبعد الشروق أخرى ، ليتركني أصدر صرخات باطنية ، أقرب إلى مواء القطط أثناء التناسل، يستفيق لها الأهل قبل الجيران .
قلت له ، إن إرادتي قد تهزمك يوما لأحلم أحلاما وردية ، فقد هزمت قبلك الكثيرين ممن يراودون أحلامي لتحويلها إلى كوابيس ، ومن لايتركون كل عمل دنيء إلا اقترفوه في أحلام يقظتي ونومي . لكنني وجدته بالأمس يطلق بوق سيارته " المرسديس " المتواجدة خلف سيارتي ويأمرني بالتقدم ، رغم الحفر التي تعاكسني على فعل ذلك ، وعندما لم أفعل، استشاط غضبا ، فحاول تجاوزي ، وعندما كانت سيارته تسير بالموازاة مع سيارتي، أرغمتني حفرة كبيرة على التوقف، تجاوزني وتوقف إلى جواري ولحيته المخضبة بالحناء جاثمة على مقود سيارته، ونظر إلي نظرة طويلة لن أنساها أبدا ، لكنني قرأت دلالاتها على التو، فقد كانت تقول " أنا آت إليك في القريب العاجل ، فداعش تتأهب الأهبة بك وبأمثالك في المغرب لاحقا، وسوف ترون ما نحن فاعلون بأمثالكم".
قالت ، وهي تراسلني كل يوم ما لم أنهرها على فعل ذلك،:" هل أنا من ضرب على يديك ، وأنا أشبه بمسخ ، لأن تراودني عن نفسي؟" أقسم بأغلظ الأيمان ، أنني لم أراود امرأة عن نفسها ذات يوم ، إن لم يكن ذلك في أحلام يقظتي أو نومي. لكنها أصرت على أنني فعلت ، وهددتني بالإخصاء إن كررت فعلتي هذه ، لذلك نمت تلك الليلة ، وأنا أحمي مناطقي الحساسة بدرع من حديد ، مما استعصي عليها دخول كوابسي، ولو إلى حين. ازداد في الغد ألم القولون العصبي لدي ، فقصدت أول صيدلية بحثا عن دواء للتخفيف منه ، إلا أنني منعت منه من دون رخصة طبية، فقلت، هذه مؤامرة من الطبيعة ضدي . فإما أن أستعيد سيطرتي على هذه الطبيعة ، أولأترك لها كل الفرص للعبث بمصيري؟
قالت الأخرى في صمت، ألن يعفو الله عنك من هذا الإدمان الليلي ، وأنا أدرك أنها كانت من أهم أسباب هذا الإدمان ، بل وكانت تشتهيه في بعض الأيام، بالرغم من صلاتها الظاهرة وتنسكها الزائف، حتى أظل هذا الأسير لها لا لحياتي الخاصة ، وأنا أعرف أنها ما أحبتني يوما إلا لما قد أغدقه عليها بمناسبة أو بدون مناسبة من عطايا عينية ومادية .
قلت سرا لأخرى – صادفتها، ذات يوم ، في متجر لبيع الآثات المنزلي، كيف اكتسبت كل هذه المؤخرة في هذا الزمن القياسي، وقد عهدتها جد نحيفة قبل أن تتزوج ؟ لم تجب عن سؤالي إلا بابتسامة صفراء كانت تتوعدني من خلالها بما هي فاعلة بأحلامي . إذ في نفس الليلة أعلنت علي حربا شعواء، فقد رأيتها تطاردني كهيكل جمل هائج ، وتحاصرني بجانب حافة من دون قرار ، وعندما مدت إحدى قوائمها للقدف بي في تلك الحافة ، استفاق كل أهل الدار ، والجيران على صراخي القريب من خوار الأبقار .
هناك ، وفي مناطق مختلفة ، تلك الثلة من أقرباء الدم ،التي تحالفت مع الشيطان ضدي ، وجعلتني مخطئا في كل ما يصدر عني، حتى عندما كنت لا أكف عن مد اليد البيضاء إليها، ومختلف المساعدات العينية والمادية ، بمناسبة أو بغير مناسبة . فهل أعيش حالة " برانويا " تجعلني أكيل الاتهام للآخرين ، شأني ، في ذلك، شأن أغلب العرب الذين لا يعرفون شيئا إسمه اتهام الذات " . لذا أتساءل عما أفعله الآن ، وهل بإمكانه ثني كل هؤلاء عن اللحاق بي أنا حللت وارتحلت إن أنا أعلنت التقية ، أم أنها مجرد تهيؤات يبرع خيالي في جعلي أستسيغها.
قال الذي عنده علم الساعة ، إنها ليست تهيؤات ، فهذا ما كتب في كتابك منذ بدء الخليقة ، وهو الكتاب الذي ستأخده بيسراك لتصلى نار الجحيم ، حتى إذا طاب جلدك بدلناه لك بجلد آخر لتذوق العذاب . فأي رحمة يمكنها أن تصدر عن رحيم بهذه القسوة ، وهو يردد على مسمعي: "سيتشفى فيك الأقرباء قبل الغرباء، ولن تنعم بأنهار من عسل ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، لن تنعم بالغلمان وحور العين ". قال ذلك كمن يسد آخر فجوة يمكنني أن أتسلل منها إلى الإنسانية من جديد، أو كضربة جزاء مفضية إلى إقصائي النهائي . اكتشفت أن الكلام لم يكن كلامه عز وعلا، بل كلام تيس متمنطق بابجديات دين لا يعرف منطوقه ولا معناه.
هل كان علي ، بعد كل هذا القيل والقال ، أن أنصب مشنقة لجسدي ، وأعتلي كرسيا ذي أرجل ثلاث لأسهل عليه مأمورية الانزلاق من تحت قدمي، لأبدو على هيأة المسيح المصلوب دون أن أعرض يداي لمسامير تدميها بالطرق، حتى أكون عبرة لمن يعتبر في دنياي وآخرتي؟ أهذا ما يدفعني كل هؤلاء إلى القيام به ، لألا يسيروا في جنازتي، ويكلفوا أحد الأقوياء الأشداء، برمي الفأس بما أوتي من قوة حتى يبعد قبري ما أمكن عن قبور المسلمين ، لأعيش غربة هناك تكمل مشوار غربتي هنا ؟ لماذا كل هذه القسوة ضد جسد لم ينهك أحدا سواي، وضد هذه الروح الطيبة التي لم أستعملها يوما إلا لإسعاد ذاتي وإسعاد الآخرين ؟ أقسم بك يا رب العزة العادل، يا ذا الجلال والإكرام ، أنني إنسان طيب لا يستحق كل ما يقترفه هؤلاء في حقي، فأنت تعرف، خارج كل هذه اليافطات ، من تعاملت معهم في دنياي، إن كنت أستحق كل هذه النهايات البئيسة ،لا. يا رب العزة والجلال ، يا رافع الكون من غير عمد ، وأنا أستعد لصوم يوم آخر ، من أيام رمضان ، أن تعفو عني ، وأن تلهمني سبل الرشاد ..
رد علي ذلك الغريب المنفوت شعر لحيته ، والذي رأيته بأم عيني يقتات ، سرقة ، من أطعمة معروضة بإحدى المساحات الكبرى، ولحيته تتحرك كمكنسة سعف من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى، وهو يسحب كل ما يصادف طريقه ، ويلقيه إلى جوفه المسغب الجوعان، سامهلك إلى حين ( لم يقل إلى يوم يبعثون مثلما قال رب العزة لإبليس)، لكنه تسلل إلى أحلامي الليلة نفسها – من خلال هذه المناجاة – ليقول لي:" أنتم الخطاؤون تبحثون دوما عن مبررات لخطاياكم، حتى تنزعوا عنا هذه الهالة الربانية " ، قال ذلك كمن يضع سبابته على الزناد ليفرغ في هذا القلب الطيب كل رصاصاته، دون أن يدرك أن الرب لا يعاقب على الأفعال بل على النوايا ..أقسمت له أن كل نواياي لذاتي ولأقربائي ولكل الإنسانية هي نوايا خيرة ، وأنه اللص المحتال المتلبس بجريمة السرقة ، فكيف يعاقبني رب البرية عوضا عنه ؟ لكنه لم يكن يرى أبعد من أرنبة أنفه ، فأفرغ كل باروده في صدري ، وهو يردد" الله أكبر . مات هذا المرتد ، وماتت معه كل ردة سابقة وآنية ". من قال له إنني مرتد ، وأنا الذي سهرالليالي بعد موت والده يتلو القرآن ويترحم على تلك الروح الزكية ، بحثا عما يمكنه أن يكون نبراسا يضيء للبشرية طريقها ، من خلال فكر عقلاني يبحث عن انسجام لكل هذه الهرطقات الدينية التي يروج لها أمثاله بشكل خاطئ ، والتي أصبح الكل يتكلم باسمها ، بما في ذلك سماسرة الدين ، وصولا إلى الباعة المتجولين، وسواق سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة؟ فقد صليت وصمت ، وإن لم أستمرفي صلاتي، وكنت سندا لأبواي ولأسرتي. لكنه عندما أرداني قتيلا لم يتوقف، فقد ذهب يبحث في"البرزخ " ليتأكد من المصير الذي ارتضاه رب العزة والجلال لروحي بعد موتي . لم تسعفه كل الجهود التي بدلها لمعرفة ذلك المصير،لأنه ليس نبيا ولا متنبئا، فعاد إلى دنياي ينبش فيها للتأكد مما توقعته كل فرضياته الخاطئة. لكن روحي الأبية ، استفاقت مغادرة ذلك البرزخ وعائدة إليه ، فنادته : " أيها التيس العفن ، استدر لتراني أكشف عن عورتك وعن مكبوتاتك الحقيرة، أيها اللص ذي العباءة البيضاء، التي تنبعث منها روائح البول والبراز وكل قذارات الدنيا، يا ذا الطاقية المنمنمة التي تغلف رأسك المليء بالجهل والأوهام ، وبالأحكام الجاهزة كتلك التي أدت إلى صكوك الغفران، ظنا منك أنك بهذه المظاهر تأخذ تأشيرة إلى ملكوت الجنة الموعودة. أنصت ولو لبرهة لشيء إسمه كلام العقل، لتدرك أن الأفعال بالنيات " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن .. ومن ..." انتهى عالمي السفلي الآن أيها التيس البليد ، وعاد من حقي طلب حساب آخر غير حساب الآدميين المحيطين بي ، في ذلك العالم العلوي، الذي أردتموه أكثر هولا لي مما أذقتمونيه في عالمي الأول، منذ أن زارني ملك الموت الطيب ليقبض روحي في مكان وزمان لم يكن لي فيهما أي اختيار،لأنهما نتاج تهور تيسي مقيت. انتهى كل ذلك الآن، ولم يعد مصيري بين يدي أحد منكم ، يا من دنستم سنوات عمري، ولاحقتموني في كوابيس لا متناهية، جعلتني أفقد كل طمانينة إنسانية طوال حياتي . فلتستمعوا إلى خطاب الروح الآن : "أي دين كان لكم عندي لم أوفه بعد ، أم أنكم تتألهون – بعد وفاتي - لتحاسبونني عن ديون بيني وبين خالقي باعتباركم أولياء الله في ملكوته ؟ فلتذهبوا جميعا إلى الجحيم ، وإن وجدتموني هناك، فكونوا على يقين أن بالأمر خلل أرضي أو سماوي، وإن لم تجدوني ، فاعلموا أن العدل الإلهي مع الطيبين المجتهدين ، ذوي الأريحية الإنسانية التي افتقدموها منذ عهدي بكم ، ألم يكن منكم من اعتبر بالعبر ؟ تقول لكم روحي : إن الأخلاق هي أساس الدين ، وأنتم تعترضون على ذلك ، وترون أن الدين هو ما أفضى إليه فهمكم المتسخ لمقاصد الشريعة، إن كنتم على علم بمقصادها. لم يعد يهم روحي الآن مجادلتكم أيتها التيوس الضالة التي تريد إخضاعنا لنمطية تأويلات دينية خاصة ،أهم ما تقوم عليه هو التقية . فلتعودوا عن غيكم.أما أنا ، فقد قضي الأمر بالنسبة لي ، وأنا أطل عليكم من برزخ هناك، وأعلم حسابكم وحسابي، سيئاتكم وسيئاتي، فإن كان حسابكم دنويا، فحسابي أخروي، وإن كانت سيئاتكم مع البشرية، فسيئاتي مع الباري جل علاه ، والله وعدني بالعفو عن سيئاتي معه ما لم تكن لي سيئات مع العالمين،فهو الرحيم بعباده الطيبين. فلتصبوا أيتها التيوس ماء باردا على أفئدتكم التعيسة، وليصب كل سماسرة الدين ، وكل الدين أفسدوا حياتي و حياة غيري من الأبرياء، عوض الماء علقما مرا، فسوف يصلى كل منا مصيره الإلهي، الذي لا يستطيع أي أحد منكم تقديره. هكذا أكون قد منعت عنكم أحلامي من أية كوابيس أخرى، إذ لم تعد لي أحلام غير لقاء ربي الذي ندرت إليه كل عمل حسن قمت به في حياتي . فلتذهب الكوابيس التي طاردتموني بها إلى دركات الجحيم، وليعلم أي الفريقين المتخاصمين ما هم ملاقوه غدا ، فإن غدا لناظره لقريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرشيف المدونة الإلكترونية

Text Widget

بحث هذه المدونة الإلكترونية

تحميل